تأملات منتصف الأسبوع26سبتمبر 2009 (العدد 40) -
ما سر الأهمية البالغة لحدائق "لالباغ" النباتية؟
بقلم: ماليني شانكار
تواجه حدائق "لالباغ" النباتية في بنغالور تهديداً تحت ذريعة "التطوير"؛ وهو تطور تقني تراجعي يُعرّض كافة أشكال الحياة في هذه الحديقة المقدسة للخطر. يتمثل التهديد في مشروع نفق يهدف إلى تقليص زمن الرحلة من شمال بنغالور إلى "مدينة الإلكترونيات" (Electronics City) في جنوب المدينة، حيث سعت حكومة ولاية كارناتاكا للاستيلاء على جزء من "لالباغ" وتدميره.
تُعد حدائق "لالباغ" النباتية -التي تمتد على مساحة 240 فداناً (97.12 هكتاراً)- رئةً ثمينة في قلب بنغالور، وتجسد الطقس المعتدل والصحي المميز للمدينة (الواقعة في منطقة شبه جبلية) على مدار العام. وتحظى "لالباغ" بأهمية ثقافية وتاريخية وأثرية وجغرافية وجيولوجية وعلمية (في مجال علوم المناخ)، فضلاً عن قيمتها البيئية والنباتية التي لا حصر لها.
ويتجلى كونها "جنة نباتية" في عبارة الترحيب المكتوبة بلغة "الكانادا" عند البوابة الغربية: "Idu sasyakashi kyii mugidu ollage banni"، والتي تعني: "هذه حديقة مقدسة؛ تفضلوا بالدخول بتواضع وخشوع وأيدٍ مضمومة (تحية احترام)".
تُعد "لالباغ" جنةً بيولوجية تحتضن ما يقرب من 2000 نوع من الأشجار المحلية وغير المحلية، وأنواعاً متنوعة من الطيور (البرية، والشجرية، والمائية)، بالإضافة إلى معشبات (مجموعات نباتية محفوظة)، وبيوت مخصصة لزراعة الأوركيد، وحديقة صخور يابانية، وحديقة "بونساي"، وبيت زجاجي يستضيف معرضاً للزهور يقام كل عامين ودروساً في فن تنسيق الزهور الياباني (إيكيبانا). كما تُعد "لالباغ" تجسيداً لمفهوم "جنة المتقاعدين"، حيث ساهمت بشكل كبير في تعزيز الصحة العامة لسكان بنغالور؛ فبفضل هذه الحدائق، ينعم السكان بهواء أنقى ونسب أقل من أول أكسيد الكربون، كما توفر مساحة حيوية للترفيه وممارسة رياضة الجري والمشي. وسيخسر ممارسو اليوجا وهواة المشي المنتظم صحتهم ولياقتهم البدنية إذا ما تم تجريد "لالباغ" من طبيعتها وتدميرها. نظراً لكون الحديقة مملوكة ومؤسسة من قبل إدارة البستنة في حكومة كارناتاكا بموجب أمر حكومي، فقد أصبحت الأحكام القانونية لاتفاقية "سايتس" (CITES) سارية المفعول، مما سمح باستيراد البذور والمخاريط والشتلات من شتى بقاع الأرض؛ مثل اللوتس الأصفر، ونباتات متسلقة من إندونيسيا، وزهور الكركديه من اليابان، ونباتات زينة من هاواي، وأشجار "البومباكس" من مدغشقر، وأشجار النخيل من أمريكا الجنوبية، والأعشاب من المملكة المتحدة، وأنواع الخيزران من خارج شبه القارة الهندية، وأنواع الصبار من المناطق البركانية، وغيرها الكثير.
إن مثل هذه الاستثناءات القانونية لم تكن لتُتاح لمشاتل تجارية مثل "Cargill Seeds" أو "Indo American Hybrid Seeds"؛ فلو حصلت أي مشتل تجاري أو شركة تكنولوجيا حيوية على هذه العينات دون شهادة من اتفاقية "سايتس"، لكان ذلك بمثابة قرصنة بيولوجية!
الأهمية التاريخية: تشير السجلات إلى أن "تيبو سلطان" (المعروف بلقب "نمر ميسور") كان يلعب في هذه الحديقة عندما كان شاباً، وتحديداً في المنطقة التي أقامت فيها شركة "Hindustan Machine Tools" -التي تُعد بمثابة "حارس الوقت" للأمة- ساعة زهرية أرضية لاستعراض الزمن الجيولوجي لشبه القارة الهندية.
وتتجلى الأهمية الأثرية والجيولوجية في "برج كيمبي غودا" القائم فوق تلة صخرية من صخور "النيس" (Gneiss) التي يعود تاريخها إلى ما قبل عصر الديناصورات... أي منذ 65 مليون سنة على الأقل. وتضم هذه التلة الصخرية "برج كيمبي غودا"، وهو معلم نُسب إلى مؤسس مدينة بنغالور؛ ويُعتقد أنه واحد من أربعة أبراج شيدها كيمبي غودا لتحديد الزوايا الأربع للمدينة، وهي الحدود التي تصور المؤسس أن بنغالور ستمتد إليها في السنوات والقرون اللاحقة. واليوم، يقف البرج في قلب المدينة تقريباً، ليصبح رمزاً للنمو غير المستدام في مدينة تشهد طفرة عمرانية متسارعة.
أما الأهمية الجغرافية فتكمن في موقعها على خط العرض؛ إذ يمنح وقوع المدينة عند خط العرض 12 شمال خط الاستواء بنغالور مناخاً معتدلاً وصحياً على مدار العام، وتتميز المنطقة بنظم بيئية شبه جبلية تلعب فيها حدائق "لالباغ" النباتية دور "رئة المدينة". وفي حقبة السبعينيات، كان الضباب يغطي المساحات العشبية الشاسعة في "لالباغ". كما تُعد بنغالور أعلى نقطة في هضبة الدكن، مما يساهم في اعتدال طقسها طوال العام. تُعد "لالباغ" (Lalbagh) جنةً بيولوجية تحتضن ما يقرب من 2000 نوع من الأشجار المحلية وغير المحلية، كما وثّق علماء الطيور وجود أكثر من 2000 طائر من الأنواع البرية والشجرية والمائية فيها. وتزخر الحديقة بمجموعة متنوعة من المعالم والمرافق، منها: معشبات نباتية، وبيوت مخصصة لزراعة الأوركيد، وحديقة صخرية يابانية، وتماثيل، ومنصات للعروض الموسيقية، وشتلات غرسها شخصيات بارزة -مثل الرؤساء وأفراد العائلات المالكة- ونمت لتصبح أشجاراً ضخمة ذات تيجان وارفة، وبيت زجاجي يستضيف معرضاً للزهور يقام كل عامين، ودروس في فن تنسيق الزهور الياباني (إيكيبانا)، ومساحات شاسعة من المروج العشبية المحلية، ومسارات مجهزة للمشي، وحدائق ومتنزهات، ومنطقة للحفاظ على النباتات الطبية، وممرات هادئة ورومانسية، وتلة صخرية من صخور "النيس" يعود تاريخها إلى ما قبل انقراض الديناصورات، وغابات الخيزران، وحديقة حيوان مصغرة، وبحيرة. وفضلاً عن ذلك، تنظم "جمعية لالباغ للبستنة" عروضاً سنوية للحيوانات الأليفة وأسواقاً للمزارعين تقام بصفة دورية؛ وهي أسواق للمنتجات الزراعية شهدت تجارب في التكنولوجيا الزراعية أثبتت جدوى حلول مستدامة في مجال الأصناف النباتية، مما يساهم في تحقيق الأمن الغذائي للمحتاجين إليه. وتُشكل هذه التجارب الناجحة أساساً لـ.....إجراء المفاوضات نيابة عن حكومة الهند في الهيئات التجارية الدولية مثل منظمة التجارة العالمية ومناطق اتفاقيات التجارة الحرة، وغيرها.
بل إن العلماء في مؤسسة "المنتجات البيولوجية البيطرية الهندية" (Indian Veterinary Biologicals) قد طوروا لقاحاً مضاداً لداء الكلب من ثمرة الشمام (الكنتالوب) البسيطة والمتواضعة! ويدفعنا هذا للقول إن المرء لا يدري أبداً أي عصارة نباتية قد تعالج يوماً ما اضطرابات الغدد الصماء -مثل ارتفاع ضغط الدم أو السكري- التي أصبحت تفتك بالبشرية بمعدلات وبائية.
الأهمية الثقافية لحدائق "لالباغ" النباتية: قد يروق للمولعين بالثقافة الإنجليزية طابعُ وتصميمُ "البيت الزجاجي" (Glass House) الذي يسبق زمنياً تجارب البستنة الحديثة -مثل الزراعة المائية أو تجارب المنتجات البيولوجية البيطرية-، إلا أن منصة العزف الموسيقي (Bandstand) تحظى بجاذبية أوسع وأكثر شمولاً، وكذلك الحال بالنسبة لمعارض الزهور الملونة الزاهية التي تقام كل عامين. اعتاد سكان بنغالور جميعاً على غمر تماثيل الإله "غانيشا" في مياه "لالباغ"، ثم قامت الإدارة بتعيين غواصين معتمدين لفصل الزينة الزهرية عن التمثال قبل عملية الغمر. وقد اعترض نشطاء بيئيون على تسرب الطلاء (المصنوع من الجبس أو "POP") المستخدم على التماثيل الطينية إلى قاع البحيرة، مما دفع السلطات البلدية لتجهيز أحواض خاصة لعملية الغمر بعد انتهاء مهرجان "غانيش أوتساف". ورغم مناشدات حكومة ولاية كارناتاكا المتكررة لصنّاع التماثيل بعدم استخدام الجبس أو الطلاء الزيتي لكونها مواد ضارة، إلا أن سكان بنغالور يرفضون التماثيل الطينية المكسوة بالطين والخالية من الألوان. وفي هذا السياق، علّقت إحدى قريباتي في مجموعة العائلة على تطبيق "واتساب" قائلة: "يا ماليني، قبل الإصرار على تماثيل غانيشا الخالية من الألوان -ونظراً لعدم ثبوت علاقة سببية مباشرة بين غمر التماثيل المطلية بالجبس وتضرر البيئة-، يرجى مطالبة إدارة البيئة بمنع تصريف المخلفات الصناعية في البحيرات". إن مثل هذا الخطاب المعرقل هو بالفعل ما يعيق تقدمنا.
وفي المجموعة العائلية ذاتها، توقفت سيدة مسنة أخرى عن غمر تمثال "غانيشا" الملون في "لالباغ"، وبدأت تغمره في حوض الأسماك المنزلي (بعد نفوق جميع أسماك الزينة التي كانت تربيها).
قدمت هيئة المسح الجيولوجي الهندية تقريراً فنياً للحكومة يوضح عدم جدوى قطع تلة صخور "النيس" (Gneiss Rock Hill)؛ وعلى إثر ذلك، سحب رئيس وزراء ولاية كارناتاكا فجأة مشروع القانون الذي كان قد أُقرّ في المجلس التشريعي دون مناقشة أو مداولة.
لقد حان الوقت لإعلان حدائق "لالباغ" النباتية موقعاً للتراث البيولوجي العالمي ضمن قائمة اليونسكو.




Comments
Post a Comment